ابن عجيبة

427

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال عليه الصلاة والسلام : « ما شقى عبد بمشورة ، وما سعد باستغناء برأي » . وقال أيضا : « ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار » . وقال أيضا - عليه الصلاة والسلام - « إذا كان أمراؤكم خياركم ، وأغنياؤكم أسخياءكم ، وأمركم شورى بينكم ، فظهر الأرض خير لكم من بطنها . وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم ، ولم تكن أموركم شورى بينكم ، فبطن الأرض خير من ظهرها » . فَإِذا عَزَمْتَ على شئ بعد الشورى ، ( فتوكل على اللّه ) أي : ثق به وكيلا ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ فينصرهم ويهديهم إلى ما فيه صلاحهم . الإشارة : ما اتصف به نبينا - عليه الصلاة والسلام - من السهولة والليونة والرفق بالأمة ، اتصفت به ورثته من الأولياء العارفين ، والعلماء الراسخين ، ليتهيأ لهم الدعوة إلى اللّه ، أو إلى أحكام اللّه ، ولو كانوا فظاظا غلاظا لانفض الناس من حولهم ، ولم يتهيأ لهم تعريف ولا تعليم ، فينبغي لهم أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا ويصبروا على جفوة الناس ، ويستغفروا لهم ، ويشاوروهم في أمورهم ، اقتداء برسولهم ، فإذا عزموا على إمضاء شئ فليتوكلوا على اللّه ؛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ . قال الجنيد - رضي اللّه عنه - : ( التوكل أن تقبل بالكلية على ربك وتعرض عمن دونه ) . وقال الثوري : أن تفنى تدبيرك في تدبيره ، وترضى باللّه وكيلا ومدبرا ، قال اللّه تعالى : وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا * . وقال ذو النون : ( خلع الأرباب ، وقطع الأسباب . ) وقال الخواص : قطع الخوف والرجاء مما سوى اللّه تعالى . وقال العرجى : رد العيش إلى يوم واحد ، وإسقاط هم غد . ه . وقال سهل : معرفة معطى أرزاق المخلوقين ، ولا يصح لأحد التوكل حتى تكون عنده السماء كالصفر « 1 » والأرض كالحديد ، لا ينزل من السماء قطر ، ولا يخرج من الأرض نبات ، ويعلم أن اللّه لا ينسى له ما ضمن من رزقه بين هذين . ه . وقيل : هو اكتفاء العبد الذليل بالرب الجليل ، كاكتفاء الخليل بالخليل ، حين لم ينظر إلى عناية جبريل . وقيل لبهلول المجنون : متى يكون العبد متوكلا ؟ قال : إذا كان بالنفس غريبا بين الخلق ، وبالقلب قريبا إلى الحق . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من سرّه أن يكون أكرم النّاس فليتق اللّه ، ومن سرّه أن يكون أغنى النّاس فليكن بما في يد اللّه أوثق منه بما في يده » . قال ابن جزى : التوكل هو الاعتماد على اللّه في تحصيل المنافع وحفظها بعد حصولها ، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها ، وهو من أعلى المقامات ، لوجهين : أحدهما : قوله : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ، والآخر :

--> ( 1 ) الصفر : النحاس .